أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

36

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : بِخَيْرٍ متعلق بالفعل ، وهذا الفعل لمّا لم يضمّن معنى « أعلم » تعدّى لاثنين ، الأول تعدّى إليه بنفسه وإلى الثاني بالحرف ، ولو ضمّن معناها لتعدّى إلى ثلاثة . و مِنْ ذلِكُمْ متعلّق بخير ؛ لأنه على بابه من كونه أفعل تفضيل ، والإشارة بذلكم إلى ما تقدّم من ذكر الشهوات ، وتقدّم تسويغ الإشارة بالمفرد إلى الجمع . ولا يجوز أن تكون « خير » ليست للتفضيل ، ويكون المراد به خيرا من الخيور ، وتكون « مِنْ » صفة لقوله : « خير » . قال أبو البقاء : « مِنْ » في موضع نصب بخير تقديره : بما يفضل ذلك ، ولا يجوز أن تكون صفة لخير ؛ لأن ذلك يوجب أن تكون الجنة وما فيها ممّا رغبوا فيه بعضا لما زهدوا فيه من الأموال ونحوها « وتابعه على ذلك الشيخ » « 1 » . قوله : لِلَّذِينَ اتَّقَوْا يجوز فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه متعلق بخير ، ويكون الكلام قد تمّ هنا ويرتفع « جَنَّاتٌ » على خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو جنات ، أي : ذلك الذي هو خير ممّا تقدم جنات ، والجملة بيان وتفسير للخيريّة ، ومثله : قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ ثم قال : النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا « 2 » ، ويؤيد ذلك قراءة « جنات » بكسر التاء « 3 » على أنها بدل من « بِخَيْرٍ » فهي بيان للخير . والثاني : أن الجارّ خبر مقدم ، و « جَنَّاتٌ » مبتدأ مؤخر ، أو يكون « جَنَّاتٌ » فاعلا بالجار قبله ، وإن لم يعتمد عند من يرى ذلك . وعلى هذين التقديرين فالكلام تمّ عند قوله : « مِنْ ذلِكُمْ » ، ثم ابتدأ بهذه الجملة وهي أيضا مبنيّة ومفسرة للخيرية . وأمّا الوجهان الآخران فذكرهما مكي مع جر « جَنَّاتٌ » ، يعني أنه لم يجز الوجهين ، إلا إذا جررت « جَنَّاتٌ » بدلا من « بِخَيْرٍ » . الوجه الأول : أنه متعلق بأؤنبئكم . الوجه الثاني : أنه صفة لخير . ولا بدّ من إيراد نصه فإنّ فيه إشكالا . قال رحمه اللّه : - بعد أن ذكر أنّ « لِلَّذِينَ » خبر مقدم و « جَنَّاتٌ » مبتدأ - « ويجوز الخفض في « جَنَّاتٌ » على البدل من « بِخَيْرٍ » على أن تجعل اللام في « الذين » متعلقة بأؤنبئكم ، أو تجعلها صفة خير ، ولو جعلت اللام متعلقة بمحذوف قامت مقامه لم يجز خفض « جَنَّاتٌ » ؛ لأنّ حروف الجرّ والظروف إذا تعلّقت بمحذوف ، وقامت مقامه صار فيها ضمير مقدر مرفوع ، واحتاجت إلى ابتداء يعود إليه ذلك الضمير كقولك : « لزيد مال ، وفي الدار رجل وخلفك عمرو » فلا بدّ من رفع « جَنَّاتٌ » إذا تعلّقت اللام بمحذوف ، ولو تعلّقت بمحذوف على أن لا ضمير فيها لرفعت جنات بفعلها ، ومو مذهب الأخفش في رفعه ما بعد الظروف وحروف الخفض بالاستقرار ، وإنما يحسن ذلك عند حذّاق النحويين إذا كانت الظروف أو حروف الخفض صفة لما قبلها ، فحينئذ يتمكّن ويحسن رفع الاسم بالاستقرار ، وقد شرحنا ذلك وبيّنّاه في أمثلة ، وكذلك إذا كانت أحوالا ممّا قبلها . انتهى فقد جوّز تعلّق هذه اللام بأؤنبئكم أم بمحذوف على أنها صفة لخير بشرط أن تجرّ « جَنَّاتٌ » ، على البدل ، من « بِخَيْرٍ » ، وظاهره أنه لا يجوز ذلك مع رفع « جَنَّاتٌ » ، وعلّل ذلك بأنّ حروف الجر تعلّق بمحذوف وتحمّل الضمير ، فوجب أن يؤتى له بمبتدأ وهو « جَنَّاتٌ » ، وهذا الذي قاله من هذه الحيثية لا يلزم ، إذ لقائل أن يقول : أجوّز تعليق اللام بما ذكرت من الوجهين مع رفع « جَنَّاتٌ » على أنّها خبر مبتدإ محذوف ، لا على الابتداء حتى يلزم ما ذكرت . ولكن الوجهان ضعيفان من جهة أخرى : وهو أنّ المعنى ليس واضحا على ما ذكر ، مع أنّ

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 399 . ( 2 ) سورة الحج ، آية ( 73 ) ( 3 ) انظر البحر 2 / 399 .